ابن أبي الحديد

34

شرح نهج البلاغة

وثانيها : الهنات المغفورة ، وهي صغائر الذنوب ، هكذا يفسر أصحابنا كلامه عليه السلام . وثالثها : ما يتعلق بحقوق البشر بعضهم على بعض ، فإن ذلك لا يتركه الله هملا ، بل لا بد من عقاب فاعله ، وإنما أفرد هذا القسم مع دخوله في القسم الأول لتميزه بكونه متعلقا بحقوق بني آدم بعضهم على بعض ، وليس الأول كذلك . فإن قلت : لفظه عليه السلام مطابق للآية ، وهي قوله تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) ( 1 ) والآية ولفظه عليه السلام صريحان في مذهب المرجئة ، لأنكم إذا فسرتم قوله : ( لمن يشاء ) بأن المراد به أرباب التوبة قيل لكم : فالمشركون هكذا حالهم يقبل توبتهم ، ويسقط عقاب شركهم بها ، فلأي معنى خصص المشيئة بالقسم الثاني وهو ما دون الشرك ! وهل هذا إلا تصريح بأن الشرك لا يغفر لمن مات عليه ، وما دونه من المعاصي إذا مات الانسان عليه لا يقطع له بالعقاب ، ولا لغيره بل أمره إلى الله . قلت : الأصوب في هذا الموضع ألا يجعل قوله : ( لمن يشاء ) معنيا به التائبون ، بل نقول : المراد أن الله لا يستر في موقف القيامة من مات مشركا ، بل يفضحه على رؤوس الاشهاد كما قال تعالى : ( ويقول الاشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ) ( 2 ) . وأما من مات على كبيرة من أهل الاسلام ، فإن الله تعالى يستره في الموقف ، ولا يفضحه بين الخلائق ، وإن كان من أهل النار ، ويكون معنى المغفرة في هذه الآية الستر وتغطية حال العاصي في موقف الحشر ، وقد يكون من أهل الكبائر ممن يقر بالاسلام

--> ( 1 ) سورة النساء 48 . ( 2 ) سورة هود 18 .